أحمد بن علي القلقشندي
21
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الاعتزاء والاعتزام ، لا يرهبون الحمام ، ويخوضون لجج المنون بالحسام ، ونيابة السلطنة الشريفة به من أجلّ النيابات مقدارا ، وأكرمها آثارا ، وأعزّها أنصارا ؛ إذ هو تلقاء أوامرنا الشريفة المنطوية عليها أسرار البريد ، ومن عنده تتفرّع المهمات للقريب والبعيد ، وعنه يصدر البريد ، وإليه يرد بكل ثناء جديد ، ومنه يأتي إلى مسامعنا الشريفة بما نريد ، فلا يحلّ دار سعادتها إلا من هو منصور سعيد ، وذو رأي سديد ، وحزم حديد ، وقد اخترنا لها بحمد اللَّه كفأها المعيد . ولما كان فلان هو الضّاري على العدا ، والغيث المتوالي النّدى ، والهمام الذي جرّد سيف عزمه أبدا فلا يرى مغمدا ، واتّصف بحسن الصفات فما ساد سدى ، قد تجملت الممالك بآرائه وراياته ، وثباته ووثباته ، وروض تدبيره وطيب نباته ، وحسن اعتماده في خدمة ملكنا الشريف ومهمّاته ؛ إن ذكرت الموالاة الصادقة كان راوي مسندها ، وحاوي جيدها ، والآوي إلى ظلَّها المديد وطيب موردها ؛ وإن ذكرت الشجاعة كان زعيم كتائبها ، ومظهر عجائبها ، وليث مضاربها ، ومجرّد قواضبها ، وفارس جنائبها ( 1 ) ، ومطلب أطلابها ومنجح مطالبها ، ومجلَّي غياهبها - اقتضى حسن الرأي الشريف أن يعقد عليه لواء الاحتشام ، في الشام ، وأن يخصّ بالبركات ، المخلَّصة من الدّركات . فلذلك رسم بالأمر الشريف أن تفوّض إليه نيابة السلطنة الشريفة بالشام المحروس ، على عادة من تقدّمه وقاعدته ، وأن يكون داخلا في نيابته الشريفة ما هو مضاف إلى الشام المحروس : من ممالك وقلاع ، ومدن وضياع ، وثغور ومواني ، وسواحل في أقاص وأداني ، تفويضا اتّسقت درره ، وأشرقت غرره ، وتليت آياته وسوره . فليمهّد بالعدل أكناف البلاد ، ولينظر بعين الرعاية والسّداد ، ولينشر لواء
--> ( 1 ) الجنائب : جمع جنيبة ، وهي الدابة تقاد ؛ والناقة يعطيها الرجل غيره ليمتار عليها . ويقال : فلان تقاد الجنائب بين يديه : إذا كان عظيما .